عبد العزيز الدريني
81
طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب
نصرته ، العبد إذا أبق « 1 » عن باب مولاه لا يستقر قلبه بخدمة سواه ، فإذا كان المولى قادرا على رده إلى الباب وكان عنده من جملة الأحباب رده بألطاف وإكرام ، وجذبه بالإحسان والإنعام . يا عبدي أنت تفرّ عنى ، وتعرض عن طاعتي ، وأنا أردك إلى خدمتي ، وأنت تعرض عن شكري وأنا أسبغ نعمتي عليك . ورد في الحديث « أن جابر بن عبد اللّه اعتلّ جمله في بعض أسفاره فاشتراه منه النبي صلى اللّه عليه وسلم وتركه تحت جابر إلى المدينة ، فمن حين اشتراه صار يسبق الركب ، فلما وصل إلى المدينة وفّاه الثمن وتركه تحت جابر » وما كان قصده بشرائه إلا إصلاحه . وقد اشتراك مولاك لإصلاحك فسلم المبيع فسيرجع إليك الكل ( إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) قال الجنيد : أخبرهم بأنه اشتراهم ليخرجهم عن التدبير ، ويكلوا الأمر إلى الملك الكبير . وقال أبو بكر الوراق : اشترى منهم أنفسهم حتى لا يبقى لهم التفات إلى أعمالهم وأموالهم . وقال أبو عثمان : اشتراها حتى لا يبقى لهم ما يتخاصمون عليه ، فإذا كانت الجنة ثمنا لنفسك ومالك ولم تبذل في طاعة اللّه تعالى ، ولم تنفق مالك للّه تعالى ، فطلب الثمن مع إمساك المبيع ومنعه لا يصح . طلب الجنة بغير عمل أماني وغرور ، وطلب القرب ممن لا تطيعه تعطيل وفتور . في الجنة عينان تجريان لمن له اليوم عينان تجريان من خشية اللّه تعالى ، قاصرات الطرف في الخيام ، لمن قصّر طرفه عن الآثام ، رفع الحجاب لمن ترك الإعجاب ، بساتينها زاهرة لمن له عين ساهرة ، قصورها عالية ، وأثمارها غالية ، ظلها ممدود لمن لا يتعدى الحدود ، عيشها مقيم لمن يؤمن باللّه ويستقيم . فنسأل اللّه تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى من القول والعمل ، ويخلصنا من هذا التسويف والفتور والكسل ، ويؤمّن روعتنا يوم التوبيخ والخجل ، ويعيذنا يوم الفزع الأكبر من خيبة الأمل ، إنه غفور رحيم شكور حليم .
--> ( 1 ) الآبق : بمعنى الهارب . ومنه قوله تعالى : ( إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) .